mercredi 12 octobre 2011

ليس من أجله ..بل من أجل حقوق الإنسان

تداولت الأوساط السياسية و الحقوقية و الدينية آخيرا موضوعا أثار جدلا كبيرا  و هو مسألة النّقاب و حقيقة الموضوع أصبح حسّاسا جدّا نظرا لتوظيفه الأيديولوجي كلّ بطريقته فهناك من رأى فيه رمزا للرّجعيّة و طالب بمنعه و هناك من سانده ووقف في صفّه وأنا لا أريد بهذه التّدوينة الإنخراط في سجال أيديولوجي أراه عقيما بل فقط حتّى أطرح نظرتي 
أوّلا يجب أن نعلم أنّ الموضوع فيه قسمين رئيسيين 
 أمّا الأوّل فهو ديني 
و فيه يختلف المختلفون بين موجب له و بين محبّب فيه و بين من لا يرى له أصلا في الدّين و كلّ هذه الخلافات شخصيا لا تعنيني و لا أريد الخوض فيها  .فلكلّ إيمانه الذي يتّبعه و إذا كنّا سنتعامل مع الموضوع بمنطلق ديني فإنّنا سنواجه عديد المشاكل لعلّ ابرزها ذاتيّة الدّين بمعنى أنّ التّعاطي سيكون ذاتي من منطلق إيماني بحت و ليس موضوعي شامل للكلّ على اختلاف معتقداته. و هذا أمر غير سليم عندما يكون حديثنا عن الدّولة على اعتبار أنّ ما يميّز الدّولة هو رابط المواطنة و ليس التّديّن 

و أمّا القسم الثّاني فهو باب الحرّيات و حقوق الإنسان و من هذا المنطلق أدعم و بشدّة حقّ ارتداء هذا اللّباس .هناك كثيرون سيقولون أنّ هذا اللّباس يثير فيهم الإشمئزاز و كثيرون آخرون أيضا يقول أنّ هذا اللّباس يرمز للعفّة و الطّهارة بمعنى آخر أنّ منطقهم المعتمد للمنع و الإيجاز ناتج بالأساس عن نظرتهم القيمية لهذا اللّباس في حين هذا الأمر خاطئ تماما فالحرّية لا يجب أن تُمنح حسب الأهواء 
بمعنى ما نكرهه نمنعه و ما نُحبّه نجيزه لأنّ الشّعور هو أيضا أمر نسبي و يختلف من شخص لآخر ..و لو اتّبعنا ذلك المنطق في المنع و الإيجاز لتداخلت كلّ مصالحنا و تصادمت لأنّه من الأكيد أنّ لكلّ منّا فكره الذي يختلف عن الآخر 
إذن من حيث المبدأ أرى أنّ ارتداء النّقاب هو حقّ من حقوق الإنسان (طالما لم يكن مكرها عليه طبعا) .
هنا يعترض معترض فيقول أنّ ارتداء النّقاب قد يُسبّب مشاكل أمنية في بعض الأحيان .و نحن لا ننفي هذا لكن هذا لا يجعل المشكل في النّقاب ذاته بل المشكل في الذي يرتديه  أي ليس في المبدأ لأنّ النّقاب ببساطة شيء موضوعي جامد بمعنى لا يتغيّر و لا يرتكب جريمة و لا يتحرّك ...
و هنا أضرب مثال للتوضيح الخمر مثلا (بغضّ النّظر عن المسألة الدّينية ) يمكن أن يكون شاربها سلوكه غير مضرّ بالآخرين في حين قد يؤدّي سلوك شارب آخر لها إلى الإعتداء على الآخرين 
فقد يقتل شارب الخمر أحد المارّة لأنّه كان في حالة سكر ؟ فهل هذا يعني أن نمنع الخمر أم أن نعاقب شاربها لأنّه أفرط في استغلال هذه الحرّية إلى حدود مضرّة غيره ؟ (طبعا هنا لا ندعو للخمر لكن نشير إلى أنّ المنع لا يحوز يكون عن طريق القسر بل امتناع إرادي) 
فإذا قلتم أنّ المشكلة في النّقاب قلنا أنّ المشكلة في الخمرة ذاتها أيضا و يجب أن نمنعها اعتمادا على القياس المنطقي في ذلك 
غير أنّ الأمر بالفعل نسبي و لا يجوز لنا بأيّ حال من الأحوال أن نمنع المبدأ من أجل مشكل يقوم على الظنّ و ليس القطع 
إذن ما الحلّ ؟ الحلّ أن نتيح المبدأ مع العمل على ضمان الجانب الأمني لأنّه إذا قمنا بالمنع سنقوم كذلك بحدّ عديد من الحرّيات  كاللباس القصير الذي يثير الشهوة درءا للزنا  على سبيل الذّكر لا الحصر 
لكن هنا يجدر بنا التّشديد على  أنّ الإباحة الحقوقية للموضوع ليست مطلقة بمعنى أنّ اللإباحة حاصلة طالما لم تشكّل تهديدا مباشرا للأمن العام  أو طالما لم تعق الإنتاجيّة في العمل أو الوثائق الرّسمية التي تُجب كشف الوجه , أو بالنّسبة للأستاذة (و أقول جيّدا الأستاذة و ليست الطّالبة) لأنّ ايصال المعلومة يتطلّب أدوات تواصل كالعينين و الملامح و الشفتان و الحركات و غيرها ...
طيّب هناك مستوى ثان من الإعتراض على النّقاب إذ يسأل سائل طالما أنّكم "أجزتم" النّقاب في الجامعة مثلا من نفس منطلق الحرّية فنحن  نطالب بحقّ الذّهاب عراة للجامعة .

نقول أوّلا لا يوجد إطلاق في مسألة الحرّية لأنّ الإطلاق يعني الفوضى بل إنّ الأمور نسبيّة جدّا 
فالأخلاق هنا هي المحدّد و الفيصل في ما يجوز و لا يجوز من حرّيات 
و صحيح أنّ ما هو أخلاقي هو نسبي لكن لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نعتمد نسبيّة فردية 
النّسبيّة هنا تكون للنتاج الأخلاقي الإجتماعي أي الذي أنتجه المجتمع (الأخلاق الجمعيّة)بمعنى ما يراه المجتمع جائزا و ما لا يجوز (طبعا من زاوية أخلاقيّة و ليس دينية ) و ممّا لا شكّ فيه أنّ العري هو من قبيل ما لا يجوز في ثقافة المجتمع التّونسي لا بل حتّى الأوروبي الذي يُعتبر أكثر حداثة 
و حتّى أُثبت أنّ مسألة النّتاج الأخلاقي للمجتمعات هي المحدّد للأمر أضرب مثلا على أدغال لإفريقيا أو أستراليا ..هناك العري شيء عادي و لا يرى المجتمع فيه حرجا أبدا و تخرج المرأة كاشفة عن ثدييها حتّى لأنّ الوعي الإجتماعي عندهم أنتج مناخا يسمح بذلك و لا أحد يُنكره 
بل لو ذهبت أنت هناك مرتديا ثوبك أو حجابك أو حتّى لباسا عاديا لكنت أنت المستهجن و الشّاذ و الغير مقبول 
إذن ممّا لا شكّ فيه أنّ الحرّيات تحدّدها الأخلاق و الأخلاق تُحدّدها الجماعة و الجماعة تختلف من مكان لآخر ..فإيجازنا للنقاب من منطلق الحرّيات لا يُجبرنا في الآن ذاته على ايجاز العري من ذات المنطق لأنّه كما سبق وأشرنا انّ الأخلاق و الحرّيات و ليدتا المكان و الثّقافة 

ملاحظة : هذا المقال يُمثّل تصوّري الشّخصي لمسألة النّقاب في علاقتها بالحرّية و لا يُلزم أيّ حقوقي أو مؤمن


ابن المسيح

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire