vendredi 24 juin 2011

أنا ...سوريا ..و الحلم

كنت أعود من المدرسة مسرعا فأرمي بمحفظتي أينما كان و دون أن أنزع ميدعتي أفتح التّلفاز لأشاهد الصّور المتحرّكة
فيخبرني الشّريط أنّ الدّبلجة هذا الكرتون كانت في دمشق سوريا ...من هنا بدأت علاقة حبّي بسوريا ...سوريا التي حفرت في ذاكرتي بالكرتون تكبر و تكبر يوما بعد يوم ..
كانت سوريا تمثّل بالنّسبة لي البراءة و النقّاء لأنّها ارتبطت في طفولتي بالصّور المتحرّكة ذات الرّسالات النّبيلة هذه الصّور التي كانت تُتلى علينا بعربيّة فصحى زادت من تعلّقنا بثقافتنا العربيّة و حبّنا لها
فأحببتها لأنّي عرفت من خلال مسلسلاتها تاريخ حضارتنا العربيّة و ما كانت عليه من أمجاد وقتما كان التّلفزيون العربي و يغرق في التّفاهات  كنت دائما أنظر إليها كمسيح العروبة المخلّص من موت وحدتنا العربيّة التي تتلاشى
و كأيّ عربيّ في زمن الذلّ و الهوان كان كلّ هذا يستفزّ مشاعري و انتمائي القومي و ظلّت سوريا في ذهني هي الحلم و تعلّقت بها لأنّي كنت أرى فيها آخر معاقل العروبة التي بدأت تتلاشى كمفهوم
سوريا عندي انتقات من مرحلة الدّولة إلى مرحلة الرّمز فكنت دائما في خلوتي أقول  لو لم أكن تونسيا لوددت أن أكونط  شاميّا من فرط تعلّقي بها
و توالت نكبات أمّتنا العربيّة باستمرار العدوان الغاشم على فلسطين و تذبيح النّساء و الرّجال و الولدان في ظلّ صمت عربي رهيب مخجل من البعض و تواطئ عار من بعض آخر ...عندها كانت سوريا رمز المقاومة كما كنت أعتقد على الأقلّ كانت تقول كلمة لا و تحاز شرف موقف المعارض حتّى و إن كان لا يُسمن و لا يُغني من جوع لكنّه موقف مشرف
إلى أن أتى حصار العراق فكان موقف سوريا مناهضا صريحا  ثمّ تسارعت الأحداث بشدّة و حلّت بنا الإنتفاضة الثّانية ..كان قلبي كأيّ عربي حرّ متعلّقا بقضايايا القوميّة و لأنّ العربيّ عاطفيّ بطبعه فكنت أنظر للإعلام السّوري كالنّاطق على لساني و المدافع على قضايانا العربيّة  القوميّة أمام أعدائنا
فكيف بعد كلّ هذا لا أحبّ سوريا ؟
و كبر بي السّن لأطرح تساءلات أخرى ...فبعدما كنت أغوص في مرحلة الوصف من قبل "أمريكا عدوّنا"" الصّهاينة قتلة" "هؤلاء أصحاب معايير مزدوجة" إلى غيره ...أصبحت أطرح تساؤلات أخرى ...لما نحن هكذا ؟ هل هم مسؤولون عن كلّ نكباتنا ؟ أليس من الطّبيعي أن يهاجمنا أعدائنا ؟ ألا يمكن أن يكون العيب فينا ؟ إذا كنّا كعرب و مسلمين و أمازيغ نكره هؤلاء الأعداء فما الحائل بيننا و بين مقاومتهم ؟ لما نطبّع معهم ؟ لما نحتج لكيان و نتمسّح على أعتابه و نحن 22 دولة عربيّة و هو لا يكتسب حتّى شرعيّة أخلاقيّة لدولته ؟
من هنا بدأ وعيي بأننّا لسن نحن ...و أنّ الصهاينة ليسوا أعدائنا وحدهم بل من يحكموننا هم أشدّ الأعداء ..فالصّهاينة أعداء طبيعيون بصفتهم غاصبون للأرض سفّاكون لدّماء أمّا الأعداء الغير الطّبيعيين فهم أباء جلدتنا الذين يحولون بيننا و بينهم ...هم الأعداء الحقيقيون لأّنّهم باعو كلّ القيم و المبادئ من أجل كرسيّ
عرفت منذ ذلك الوقت انّ سوريا سوريّتين و العرب عربين أولئك الذين يحكمون و أولئك الذين يُقمعون
وانهارت بذلك بذهني كلّ الأساطير التي كنت أومن بها ..انهارت تلك الصّورة التي كنت قد رسمتها في خيالي
انهارت كلّ المفاهيم و التّقسيمات التي عرفتها بين ما يُسمّى محور الإعتدال أي الخنوع المتمثّل في مصر مبارك و أردن ملكها و سعوديّة شيخها و محور الممانعة المتمثّل في سوريا إيران و حزب الله
عرفت أنّ كلّهم منافقون كلّهم ديكتاتوريون لنّخاع ..و أتساءل بحيرة ..من أحقّ بالعداء عدوّ طبيعي قتل في حرب تمّوز ما يقارب الألف لبناني إثر حربه على أرضنا في لبنان؟ أم حكّامنا في سوريا الذين قتلوا إلى حدّ السّاعة ما يُقارب 1350 شهيد في ما يُسمّونه نشر الجيش ؟ طيّب لو أعلنوا الحرب و لم ينشروا الجيش ؟ أسيبيدوننا و يحكموا كراسيهم ؟
بأيّ ممناعة كنت أحلم ؟ بنفاق إيران الممانعة التي تصمت على هذه المجازر في حين لم نملّ شعاراتها بالموت لإسرائيل ؟
بأيّ ممانعة كنت أحلم بحزب الله الذي كان ينتقد الأنظمة العربيّة و يقول أنّها فاسدة و ديكتاتورية و اليوم عندما أتى الدّور على حليفه بشّار يقف موقف الدّاعم له و لا يعبأ لمئات القتلى الذي كان ينصرون المقاومة و يدافعون عليها بشراسة في وجه المذهبيين الذين يهاجمون حزبه ؟
أيّ ممانعة هذه في ليبيا لصاحب شعار طزّ في أمريكا التي تُعلن الحرب على شعبها و تُنكره قائلة "من أنتم" بمجرّد معارضته ؟
أيّ ممانعة هذه التي تدنّس المساجد و بدل الله أكبر ترفع" بشّأر أكبر" ...أيّ ممانعة  هذه تسجد لصور الرّئيس أيّ ممانعة هذه التي تقتل حمزة ذلك الطّفل البريء الملائكة بعد تعذيبه أشدّ العذاب ؟ أيّ ممانعة تقتل شعبها نساء و أطفالا و رُضّعا من أجل "حفظ الأمن" أيّ ممانعة تقمع النّاس في السّجون باسم القوميّة العربيّة ...أيّ ممانعة تحكمنا بالحديد و النّار و القمع و القهرمن أجل "درء الفتنة و المؤامرة التي تُحاك ضدّنا"
و يتبجّخ المتبجّحون فيقول لي كيف يذهب هذا النّظان الدّاعم لفلسطين ...فليذهب للجحيم أيّ نظام عربي ديمقراطي حرّ سيكون أوّل الدّاعمين
لقد أصبحت اليوم أومن أنّ البديل ليس محور ممانعة او غيره البديل كنس كلّ هذه الأنظمة...البديل شباب عربي ديمقراطي مؤمن بحقوق الإنسان حداثي في توجّهاته متمسّك بثوابته أصيل في مبادئه ...
لقد استيقظت اليوم و عرفت أنّ سوريا ليست سوريا ..اليوم سوريا مسلوبة ضائعة اليوم أكتب لها و أنا حزين عليها جدّا أكتب و أتمنّى من الثّائرين في سوريا أن يتّحدوا أكتب و أنا أرجو أن يستفيق السّوري المغرّر به و يستعيد اصالة أهل الشّام ليدافع عن عرض بلده الذي اغتصبته الدّيكتاتورية
أطلب منهم كلّهم أن يثوروا اليوم و يساهموا في هذا الرّبيع العربي ضدّ سنوات العجاف التي أصبنا بها زمن الملوك الذين دخلوا قرانا فأفسدوها و جعلوا أعزّة أهلها أذلّة  
أطلب من أهلنا في سوريا أن يثوروا ضدّ من يريد أن تتوقّف عجلة التّاريخ و التّقدّم من أجل راحة يجدونها في الكرسيّ...هؤلاء أشدّ أياديهم أن يصبروا و يُصابروا و يُرابطوا  حتّى يُحدث الله أمرا
كما أذكّركم أنّ الثّورة ليست فقط بندقيّة بيد ثائر بل قلم بيد مفكّر و إعلام نزيه يخدم بلده و إمام عادل يقول كلمة حقّ عند سلطان جائر و عمل جمعيّاتي حقوقي لإنسان يحبّ بلده ...و لوحة مفاتيح  بيد مدوّن.. فلا تقل ليس عندي بندقيّة كي أكون ثائر

ابن المسيح 

mercredi 15 juin 2011

هاجس الحداثة و إسلاموفوبيا اللاّوعي

أنا تونسي المولد و الجنسيّة و الهوى و اعشق هذا البلد و هذا المجتمع رغم ما له من سلبيّات جمّا ..سبب عشقي له أنّه كان منذ القديم مجتمعا متسامحا مسالما معتدلا يرفض بطبيعته ايّ شكل من أشكال التّعصّب في الفكر مهما كانت طبيعة هذا الفكر و التاريخ  يشهد لنا بذلك في مساره او في ما أنتجه من مفكّرين و علماء حتّى علماء الدّين الإسلامي  بجامعاتنا و أختصّ بذكر الزّيتونة كان رمزا للإعتدال و الإنفتاح بين الأمم كان فكرهم همزة وصل بين ثوابت الدّين و متغيّرات الواقع و الخصوصيّة الثقافية لمجتمعنا  
مجتمعنا حقّا متسامح جدّا وقد عاش بيننا اليهود و في حمايتنا كما أنّ الكنائس تفتح في قلب العاصمة لا في شارع الحبيب بورقيبة ذاته و يؤدّون شعائرهم بكلّ حرّية و أمن
المؤسف أنّه في العقود الأخيرة و نتيجة للإرهاب الأمريكي و الدّعم اللاّمحدود لصّهاينة الذي ينتهكون به كلّ الشّرعيّة الدّولة تولّد حقد عند كثير من المسلمين عموما و خاصّة في الشّرق الأوسط حقد كردّة فعل و ليس فعلا في ذاته... مع الثّورة العلميّة التي حدثت من خلال الإنترنت و القنوات الفضائية تقلّصت المسافة الفاصلة بين العالم الإسلامي المشرقي و العالم الإسلامي المغربي.. و رغم اختلاف  ثقافة البيئتين إلاّ أنّهما أجمعا على هذا الشّعور فلا يمكن لإنسان حرّ أن يرى شخصا من بني جلدته تُغتصب حقوقه و يُظلم ثمّ باسم الشّرعية و يسكت و من هنا برزت بوادر التّطرف بالمغرب .. و جنح البعض لفهم ديني بشكل متعصّب كردّة فعلا عنيفة على هذا الظّلم  هؤلاء أغلبيّة شعبنا التّونسي تتّفق معهم في الشّعور أي شعور الكره للولايات المتّحدة و الشّعور بالقهر لكن تختلف معهم في المنهج أي منهج كيف نواجه هذا الظّلم الذي يمارس علينا
مع الأسف الدّعاية الغربيّة الإعلاميّة اللاّموضوعية نجحت إلى حدّ بعيد في رسم صورة نمطيّة للمسلمين و تعميمها فرسمتهم كلّهم على أنّهم متطرّفون  هذا الالمشهد العلامي الذي يتكرّر كلّ يوم سواء في القنوات الأوروبية و الأمريكية هيمن على السّاحة و تكراره أحدث نوع الرّتابة المشهديّة هذه الرّتابة بدورها تجعل من الأشياء امورا مسلّمة بها ..فمثلا عندما تحدّثنا أمّهاتنا عن الغول و تخوّفنا به ينمو هذا الغول في أذهاننا و نصدّقه أكثر فأكثر لأنّ الحديث كررّتها أمّهاتنا و جدّاتنا و أخواتنا حتّى أصبحنا نؤمن به رغم لا وجوده  و هذا بالفعل فقد صدّق العالم هذه الصّورة للمسلمين و أصبح هناك حذر و تخوّف غربي من كلّ ما يمّـت لثقافتنا بصلة ...أنا لا أنكر أنّ لنا مسؤوليّة كبرى في هذه الصّورة بتاتا وهذا عائد لعوامل عديدة ربّما أتلوها في مقال آخر لكن هنا أسترسل في هذه الفكرة حتّى لا أشتّت تركيزك ..فهذه الصّورة النّمطية للإنسان المسلم حفرت في قلوب الغرب هنا الخطورة الأخطر من ذلك أنّ هذا التّكرار ولّد إيمان بهذا الشّيء عند بني جلدتنا من المتأثّرين بالثّقافة الغربيّة و عندما أتحدّث عن تونس أقول تأثيرا بالثقافة الفرنسيّة خاصّة و لأنّ هذه المواجهة بين غرب حداثي و مجتمعات مسلمة كمجتمعنا التّونسي فقد تراءى لبعض السّطحيين التّوانسة أنّ الأزمة و كأنّها صراع بين الحداثة و الدّين  في حين أنّها ليست كذلك قط إذا حللّنا أسبابها العميقة التي أشرت إليه دون توسّع لكن هذا ما طفا على السّطح ...و لأنّ هذه المجتمعات الحداثية هي مجتمعات ناجحة  أصبح أيضا يتراءى لنا و كأنّ التّدين هو المشكل ذاته في حين أنّه ليس بالضّرورة كذك
من هنا تولّدت لدينا هذه الإسلاموفوبيا اللاّشعورية أو اسلاموفوبيا اللاّوعي كما سمّيتها وهي حالة نفسيّة يعيشها التّونسي تُبرز هذا الصّراع الدّاخلي الذي يعيشه بين الدّين و الحداثة فقد يكون مسلما الشّخص و لكنّه يعاني من هذا المرض النّفسي و هذا الإنفصام بين هويّته بما تحمله من مكوّن ديني من جهة و الحداثة من جهة أخرى مقابلة
هذا الهاجس بالحداثة و الرّقي يجعله يطمح في الإلتحاق بمصافّ الغرب و هذا مطلب مشروع جدّا فكلّنا يرى أنّه هذا ما يجب أن يكون و ما يجب أن نسعى إليه لكن المشكلة في المقابلة الوهميّة التي تراءت له بين التّديّن و الحداثة و التي تجعله يرى في التّديّن لا شعوريا عائقا و التّقدّم
المشكلة الأعظم هنا هذا النّقد الدّائم لتدّين ولّد بدوره في أذهان كثيرين أيضا خلطا بين الدّين و التّدين فأصبح ماهو ديني عندهم رديفا بالتّدين و إن كانا شيئان مختلفان و من هنا إنتقلنا إلى المستوى الثّأني من  الأزمة هو أن نرى في الدّين ذاته المشكلة  بعد أن كنّا نظنّ أنّ التّديّن هو ذاته السّبب  و كمثال بسيط على ما أقول أذكر أنّه منذ أيّام طالعتنا مدوّنة تونسية شابّة على شاشة فرنسيّة تقول أنّ الأسلمة تخيفها ثمّ تستطرد مفسّرة عن ماذا تعني الأسلمة فتقول رجال ملتحون و نساء محجّبات  و هو ما يعني أنّها مسلمة و تعيش خوفا من دينها ذاته و هذه أعلى مراحل الإغتراب
أنا هنا لست أدافع على الدّين أو أثبت أنّه نزيه لأنّه من عند الله كما يؤمن البعض فهذا أمر لا يهمّني لأنّ الأديان هل هي حقّا مقدّسة أم هي من صنع الإنسان هذا أمر لا أخبرك به أنا بل بخصّك أنت وحدك من تقرّر ذلك ..لكنّي هنا لأثبت أنّ الصّراع في الحقيقة ليس بين الحداثة و الدّين سواء كان سماويّا حقيقيا أو إنسانيّا وهميّة
أنا هنا لأقول أنّ نقيض الحداثة لم يكن يوما الدّين و لن يكون فأمريكا دولت تنتشر الكنائس بشكل رهيب في كلّ أرباعها و هي دولة متديّنة أكثر من الدّول الإسلاميّة ذاتها و بالتّالي ليست هذه المقابلة الصّحيحة  ...المقابلة الصّحيحة هي بين الرّجعيّة و الحداثة
و حتّى تعرف اليوم كم حن مرضى بالإسلاموفوبيا ما عليكم  إلاّ أن تُشاهدوا حياتنا اليوميّة  فالتّونسي أصبح يستحي أن يرفع صوت القرآن خشية أن يُقال عليه متديّن ...و يُسارع بتغيير محطّة فيها برنامج ديني لو رافقه أصدقائه في مجلسه ..و يستحي عندما يُغادر أصحابه و يسألونه أين أنت ذاهب من أن يقول ذاهب للمسجد لأصلّي  ..ونشبّهه بالقاعدة إذا طالت لحيته لا شعورا أي أنّنا ربطنا اللّحية بماهي شيء ديني كسنّة بالإرهاب المذموم حتّى أصبحت مقترنة به
المشكل أنّ هذه أصبحت حالة مرضيّة يعاني منها الكثيرون فبمجرّد أن تقول بسم الله الرّحمان الرّحيم تُصبح إمّا تابع لنّهضة أو رجعي ..أصبح لا يجوز لك كتونسي مسلم أن تقول الله أكبر أو تقول السّلام عليكم ...يحقّ لك أن تقول فقط عسلامة و لول لكي تُصبح حداثي و ماكش عاقدها و مواكب للعصر و إذا قلت صلّى الله عليه و سلّم أو جازاك الله خير يذهب ذهن مستمعك عن طريق مفهوم التّناص إلى القاعدة
كلّ هذه مظاهر لإسلاموفوبيا اللاّوعي من قبل الذي يمارسها هذه الممارسات بدوره ستؤثّر في المسلم التّونسي المعتدل العادي و سيسعى لتقديم تنازلات حتّى يُثبت أنّه حداثي جدّا و ليس رجعي فسيتعيض عن السلام عليكم ببونجور و عن صلّى الله عليه و سلّم بذكر قال الرّسول و عن لباسه للجبّة بالسّروال الدجين
طبعا كلّ هذا لا يهمّ فليست المشكلة في لباسك أو في طريقة سلامك أو في ما تقول المشكلة تكمن في أسباب ذلك ...المشكلة تكمن في أنّك تبرّئ نفسك من تهمة أنت بريء منها حتّى تُصبح حداثيا كما يُقال لك
المشكلة في أنّك تقدّم حلولا خاطئة لطرح خاطئ ...فسوء تقدير أين المشكل سينتج عنه سوء في تقدير الحلول
المشكلة في أنّها حتّى لو غيّرت من نفسك في هذا الجانب فلن تكون حداثيا أو تقدّميا بل ربّما تهدّد هويّتك وذاتيّتك أي ما به أنت تكون أنت و ليس غيرك ...ما يعني اغترابا أي أنّك تغترب دون أن تحقّق هدفك في الرّقي الحضاري
عموما لو ألّفت كتابا ربّما لما وسعني الحديث عن هكذا موضوع لكنّي أقول في اختصار إنّ الإلتحاق بركب الحداثة لا يكون باتّباع نموذج معيّن و تقليده كما هو بل بمعرفة ما يحول بين ذاك المجتمع و الحداثة لأنّ كلّ مجتمع له ظروفه و خصوصه الثقافيّة المعيّنة التي يجب أخذها بعين الإعتبار في المعالجة و إلاّ فإنّنا ندافع عن قضيّة حقّ فنفضي إلى باطل
إنّ تحديث المجتمع لا يمكن أن يكون إلأّ من الدّاخل أمّا التّحديث الخارجي فلا يعدو أن يكون غير سطحية و تغريب و عدم معالجة للمشاكل الحقيقية و هو ظرفي لا ينتهي بنا نحو رقيّ بل ينتهي بنا نحو تقليد و تبعيّة مستمرّة نفقد بها الهويّة و لا نجد بها للحداثة سبيلا
إنّ ظاهرة إسلاموفوبيا اللاّوعي التي تظهر في أقوالنا و أفعالنا هي أعمق الأزمات التي تعايش التّونسي المعاصر و إن لم نسرع بعلاجها فإنّني على يقين أنّ مجتمعنا التّونسي خلال فترة من الزّمن سيعيش انفصاما حادّا في هويّته سيؤدّي بدوره على المدى المتوسّط إلى تغريب لا محالة إذا استمرّ الأمر دون معالجة
على هؤلاء أن يفهموا أنّ نقيض الحداثة هو الرّجعيّة و ليس الدّين ذاته و أنّ الرّجعيّة لا يمكن حصرها في أيديولوجيا معيّنة لأنّها حالة فكر و ليست فكرا في حدّ ذاتها

إبن المسيح
أنا تونسي المولد و الجنسيّة و الهوى و اعشق هذا البلد و هذا المجتمع رغم ما له من سلبيّات جمّا ..سبب عشقي له أنّه كان منذ القديم مجتمعا متسامحا مسالما معتدلا يرفض بطبيعته ايّ شكل من أشكال التّعصّب في الفكر مهما كانت طبيعة هذا الفكر و التاريخ  يشهد لنا بذلك في مساره او في ما أنتجه من مفكّرين و علماء حتّى علماء الدّين الإسلامي  بجامعاتنا و أختصّ بذكر الزّيتونة كان رمزا للإعتدال و الإنفتاح بين الأمم كان فكرهم همزة وصل بين ثوابت الدّين و متغيّرات الواقع و الخصوصيّة الثقافية لمجتمعنا  
مجتمعنا حقّا متسامح جدّا وقد عاش بيننا اليهود و في حمايتنا كما أنّ الكنائس تفتح في قلب العاصمة لا في شارع الحبيب بورقيبة ذاته و يؤدّون شعائرهم بكلّ حرّية و أمن
المؤسف أنّه في العقود الأخيرة و نتيجة للإرهاب الأمريكي و الدّعم اللاّمحدود لصّهاينة الذي ينتهكون به كلّ الشّرعيّة الدّولة تولّد حقد عند كثير من المسلمين عموما و خاصّة في الشّرق الأوسط حقد كردّة فعل و ليس فعلا في ذاته... مع الثّورة العلميّة التي حدثت من خلال الإنترنت و القنوات الفضائية تقلّصت المسافة الفاصلة بين العالم الإسلامي المشرقي و العالم الإسلامي المغربي.. و رغم اختلاف  ثقافة البيئتين إلاّ أنّهما أجمعا على هذا الشّعور فلا يمكن لإنسان حرّ أن يرى شخصا من بني جلدته تُغتصب حقوقه و يُظلم ثمّ باسم الشّرعية و يسكت و من هنا برزت بوادر التّطرف بالمغرب .. و جنح البعض لفهم ديني بشكل متعصّب كردّة فعلا عنيفة على هذا الظّلم  هؤلاء أغلبيّة شعبنا التّونسي تتّفق معهم في الشّعور أي شعور الكره للولايات المتّحدة و الشّعور بالقهر لكن تختلف معهم في المنهج أي منهج كيف نواجه هذا الظّلم الذي يمارس علينا
مع الأسف الدّعاية الغربيّة الإعلاميّة اللاّموضوعية نجحت إلى حدّ بعيد في رسم صورة نمطيّة للمسلمين و تعميمها فرسمتهم كلّهم على أنّهم متطرّفون  هذا الالمشهد العلامي الذي يتكرّر كلّ يوم سواء في القنوات الأوروبية و الأمريكية هيمن على السّاحة و تكراره أحدث نوع الرّتابة المشهديّة هذه الرّتابة بدورها تجعل من الأشياء امورا مسلّمة بها ..فمثلا عندما تحدّثنا أمّهاتنا عن الغول و تخوّفنا به ينمو هذا الغول في أذهاننا و نصدّقه أكثر فأكثر لأنّ الحديث كررّتها أمّهاتنا و جدّاتنا و أخواتنا حتّى أصبحنا نؤمن به رغم لا وجوده  و هذا بالفعل فقد صدّق العالم هذه الصّورة للمسلمين و أصبح هناك حذر و تخوّف غربي من كلّ ما يمّـت لثقافتنا بصلة ...أنا لا أنكر أنّ لنا مسؤوليّة كبرى في هذه الصّورة بتاتا وهذا عائد لعوامل عديدة ربّما أتلوها في مقال آخر لكن هنا أسترسل في هذه الفكرة حتّى لا أشتّت تركيزك ..فهذه الصّورة النّمطية للإنسان المسلم حفرت في قلوب الغرب هنا الخطورة الأخطر من ذلك أنّ هذا التّكرار ولّد إيمان بهذا الشّيء عند بني جلدتنا من المتأثّرين بالثّقافة الغربيّة و عندما أتحدّث عن تونس أقول تأثيرا بالثقافة الفرنسيّة خاصّة و لأنّ هذه المواجهة بين غرب حداثي و مجتمعات مسلمة كمجتمعنا التّونسي فقد تراءى لبعض السّطحيين التّوانسة أنّ الأزمة و كأنّها صراع بين الحداثة و الدّين  في حين أنّها ليست كذلك قط إذا حللّنا أسبابها العميقة التي أشرت إليه دون توسّع لكن هذا ما طفا على السّطح ...و لأنّ هذه المجتمعات الحداثية هي مجتمعات ناجحة  أصبح أيضا يتراءى لنا و كأنّ التّدين هو المشكل ذاته في حين أنّه ليس بالضّرورة كذك
من هنا تولّدت لدينا هذه الإسلاموفوبيا اللاّشعورية أو اسلاموفوبيا اللاّوعي كما سمّيتها وهي حالة نفسيّة يعيشها التّونسي تُبرز هذا الصّراع الدّاخلي الذي يعيشه بين الدّين و الحداثة فقد يكون مسلما الشّخص و لكنّه يعاني من هذا المرض النّفسي و هذا الإنفصام بين هويّته بما تحمله من مكوّن ديني من جهة و الحداثة من جهة أخرى مقابلة
هذا الهاجس بالحداثة و الرّقي يجعله يطمح في الإلتحاق بمصافّ الغرب و هذا مطلب مشروع جدّا فكلّنا يرى أنّه هذا ما يجب أن يكون و ما يجب أن نسعى إليه لكن المشكلة في المقابلة الوهميّة التي تراءت له بين التّديّن و الحداثة و التي تجعله يرى في التّديّن لا شعوريا عائقا و التّقدّم
المشكلة الأعظم هنا هذا النّقد الدّائم لتدّين ولّد بدوره في أذهان كثيرين أيضا خلطا بين الدّين و التّدين فأصبح ماهو ديني عندهم رديفا بالتّدين و إن كانا شيئان مختلفان و من هنا إنتقلنا إلى المستوى الثّأني من  الأزمة هو أن نرى في الدّين ذاته المشكلة  بعد أن كنّا نظنّ أنّ التّديّن هو ذاته السّبب  و كمثال بسيط على ما أقول أذكر أنّه منذ أيّام طالعتنا مدوّنة تونسية شابّة على شاشة فرنسيّة تقول أنّ الأسلمة تخيفها ثمّ تستطرد مفسّرة عن ماذا تعني الأسلمة فتقول رجال ملتحون و نساء محجّبات  و هو ما يعني أنّها مسلمة و تعيش خوفا من دينها ذاته و هذه أعلى مراحل الإغتراب
أنا هنا لست أدافع على الدّين أو أثبت أنّه نزيه لأنّه من عند الله كما يؤمن البعض فهذا أمر لا يهمّني لأنّ الأديان هل هي حقّا مقدّسة أم هي من صنع الإنسان هذا أمر لا أخبرك به أنا بل بخصّك أنت وحدك من تقرّر ذلك ..لكنّي هنا لأثبت أنّ الصّراع في الحقيقة ليس بين الحداثة و الدّين سواء كان سماويّا حقيقيا أو إنسانيّا وهميّة
أنا هنا لأقول أنّ نقيض الحداثة لم يكن يوما الدّين و لن يكون فأمريكا دولت تنتشر الكنائس بشكل رهيب في كلّ أرباعها و هي دولة متديّنة أكثر من الدّول الإسلاميّة ذاتها و بالتّالي ليست هذه المقابلة الصّحيحة  ...المقابلة الصّحيحة هي بين الرّجعيّة و الحداثة
و حتّى تعرف اليوم كم حن مرضى بالإسلاموفوبيا ما عليكم  إلاّ أن تُشاهدوا حياتنا اليوميّة  فالتّونسي أصبح يستحي أن يرفع صوت القرآن خشية أن يُقال عليه متديّن ...و يُسارع بتغيير محطّة فيها برنامج ديني لو رافقه أصدقائه في مجلسه ..و يستحي عندما يُغادر أصحابه و يسألونه أين أنت ذاهب من أن يقول ذاهب للمسجد لأصلّي  ..ونشبّهه بالقاعدة إذا طالت لحيته لا شعورا أي أنّنا ربطنا اللّحية بماهي شيء ديني كسنّة بالإرهاب المذموم حتّى أصبحت مقترنة به
المشكل أنّ هذه أصبحت حالة مرضيّة يعاني منها الكثيرون فبمجرّد أن تقول بسم الله الرّحمان الرّحيم تُصبح إمّا تابع لنّهضة أو رجعي ..أصبح لا يجوز لك كتونسي مسلم أن تقول الله أكبر أو تقول السّلام عليكم ...يحقّ لك أن تقول فقط عسلامة و لول لكي تُصبح حداثي و ماكش عاقدها و مواكب للعصر و إذا قلت صلّى الله عليه و سلّم أو جازاك الله خير يذهب ذهن مستمعك عن طريق مفهوم التّناص إلى القاعدة
كلّ هذه مظاهر لإسلاموفوبيا اللاّوعي من قبل الذي يمارسها هذه الممارسات بدوره ستؤثّر في المسلم التّونسي المعتدل العادي و سيسعى لتقديم تنازلات حتّى يُثبت أنّه حداثي جدّا و ليس رجعي فسيتعيض عن السلام عليكم ببونجور و عن صلّى الله عليه و سلّم بذكر قال الرّسول و عن لباسه للجبّة بالسّروال الدجين
طبعا كلّ هذا لا يهمّ فليست المشكلة في لباسك أو في طريقة سلامك أو في ما تقول المشكلة تكمن في أسباب ذلك ...المشكلة تكمن في أنّك تبرّئ نفسك من تهمة أنت بريء منها حتّى تُصبح حداثيا كما يُقال لك
المشكلة في أنّك تقدّم حلولا خاطئة لطرح خاطئ ...فسوء تقدير أين المشكل سينتج عنه سوء في تقدير الحلول
المشكلة في أنّها حتّى لو غيّرت من نفسك في هذا الجانب فلن تكون حداثيا أو تقدّميا بل ربّما تهدّد هويّتك وذاتيّتك أي ما به أنت تكون أنت و ليس غيرك ...ما يعني اغترابا أي أنّك تغترب دون أن تحقّق هدفك في الرّقي الحضاري
عموما لو ألّفت كتابا ربّما لما وسعني الحديث عن هكذا موضوع لكنّي أقول في اختصار إنّ الإلتحاق بركب الحداثة لا يكون باتّباع نموذج معيّن و تقليده كما هو بل بمعرفة ما يحول بين ذاك المجتمع و الحداثة لأنّ كلّ مجتمع له ظروفه و خصوصه الثقافيّة المعيّنة التي يجب أخذها بعين الإعتبار في المعالجة و إلاّ فإنّنا ندافع عن قضيّة حقّ فنفضي إلى باطل
إنّ تحديث المجتمع لا يمكن أن يكون إلأّ من الدّاخل أمّا التّحديث الخارجي فلا يعدو أن يكون غير سطحية و تغريب و عدم معالجة للمشاكل الحقيقية و هو ظرفي لا ينتهي بنا نحو رقيّ بل ينتهي بنا نحو تقليد و تبعيّة مستمرّة نفقد بها الهويّة و لا نجد بها للحداثة سبيلا
إنّ ظاهرة إسلاموفوبيا اللاّوعي التي تظهر في أقوالنا و أفعالنا هي أعمق الأزمات التي تعايش التّونسي المعاصر و إن لم نسرع بعلاجها فإنّني على يقين أنّ مجتمعنا التّونسي خلال فترة من الزّمن سيعيش انفصاما حادّا في هويّته سيؤدّي بدوره على المدى المتوسّط إلى تغريب لا محالة إذا استمرّ الأمر دون معالجة
على هؤلاء أن يفهموا أنّ نقيض الحداثة هو الرّجعيّة و ليس الدّين ذاته و أنّ الرّجعيّة لا يمكن حصرها في أيديولوجيا معيّنة لأنّها حالة فكر و ليست فكرا في حدّ ذاتها

إبن المسيح